فخر الدين الرازي
132
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الحجر : 21 ] . والوجه الثاني : في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب واللّه تعالى إنما يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم ، فلا بد وأن يحصل من الأرض قدر مخصوص / ومن الماء والهواء كذلك ، ومن تأثير الشمس والكواكب في الحر والبرد مقدار مخصوص ، ولو قدرنا حصول الزيادة على ذلك القدر المخصوص ، أو النقصان عنه لم تتولد المعادن والنبات والحيوان فاللّه سبحانه وتعالى قدرها على وجه مخصوص بقدرته وعلمه وحكمته فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع . والوجه الثالث : في تفسير هذا اللفظ أن أهل العرف يقولون : فلان موزون الحركات أي حركات متناسبة حسنة مطابقة للحكمة ، وهذا الكلام كلام موزون إذا كان متناسبا حسنا بعيدا عن اللغو والسخف فكان المراد منه أنه موزون بميزان الحكمة والعقل ، وبالجملة فقد جعلوا لفظ الموزون كناية عن الحسن والتناسب ، فقوله : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة ومطابقة المصلحة . والوجه الرابع : في تفسير هذا اللفظ أن الشيء الذي ينبت من الأرض نوعان : المعادن والنبات : أما المعادن فهي بأسرها موزونة وهي الأجساد السبعة والأحجار والأملاح والزاجات وغيرها . وأما النبات فيرجع عاقبتها إلى الوزن ، لأن الحبوب توزن ، وكذلك الفواكه في الأكثر واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ فيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف وقوله : وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فيه قولان : القول الأول : أنه معطوف على محل لكم ، والتقدير : وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين . والقول الثاني : أنه عطف على قوله : مَعايِشَ والتقدير : وجعلنا لكم معايش ومن لستم له برازقين ، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة : الاحتمال الأول : أن كلمة « من » مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من قوله : وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم والعبيد ، وتقرير الكلام أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد ، وذلك خطأ فإن اللّه هو الرزاق يرزق الخادم والمخدوم ، والمملوك والمالك فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة ، وأعطى القوة الغاذية والهاضمة ، وإلا لم يحصل لأحد رزق . والاحتمال الثاني : وهو قول الكلبي قال : المراد بقوله : وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ الوحش والطير . فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة من مختصة بمن يعقل ؟ قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن صيغة من قد وردت في غير العقلاء ، والدليل عليه / قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] . والثاني : أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على اللّه حيث قال : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي